نوفمبر 24, 2017 9:34 ص -
الرئيسية / ثقافة وإعلام / الجزائر والكيل بمكيالين بين المغرب وإسبانيا

الجزائر والكيل بمكيالين بين المغرب وإسبانيا

                                  د.خالد فتحي (+)

 

أسقطت أزمة الانفصال التي ألمت بالجارة الإسبانية ،عبر استفتاء تقرير المصير بإقليمها الكتالوني، ورقة التوت عن الدبلوماسية الجزائرية، التي ظهرت أمام الرأي العام الجزائري  أولا، وأمام المنتظم الدولي  ثانيا، في حالة شرود واضحة عن  القناعات التي كانت ولا تزال تروج لها في مختلف المحافل الدولية بخصوص حق الشعوب في تقرير المصير ،لتبدو  مرة أخرى في صورة  دبلوماسية ،متنطعة،  مرتبكة، انتهازية، تكيل بمكيالين  ،وفاقدة بالخصوص لذاك  الخيط الناظم الذي يمكن أن نتلمس به عادة مواقف الدول الرصينة المبدئية ذات المصداقية على مستوى إفراز السلوك على صعيد  العلاقات الدولية.
لقد فاجأ المشكل الكتالوني قصر المرادية  سواء بتسارع أحداثه وتلاحقها،  أو بالإخراج الشعبوي الذي أسفر عنه  لذاك الاستقلال المباغت  الذي حل على حين غرة  بالجهة الشرقية الشمالية للجار الأوربي،خصوصا و  قد جاء  بدوره، و لسخرية القدر، متلفعا بأطروحة  حق الشعوب في تقرير مصيرها بكل حرية.تلك الأطروحة  العزيزة على قلوب المسؤولين الجزائريين،  والتي شكلت على الدوام جوهر عقيدة السياسية الخارجية للجزائر، وقميص عثمان الذي تناصب و تحشد به العداء للمغرب .لذلك تأخرت الجزائر كثيرا في الإفصاح عن  موقفها من الإعلان الأحادي الجانب لاستقلال كتالونيا، وتلكأت في الجهر بتأييدها لوحدة إسبانيا  ،إلى أن تبين لها فشله الواضح بعد أن غادر بيغديمون إسبانيا في اتجاه العاصمة الأوربية ،بروكسيل ،رفقة أربعة من وزرائه.

 وفي الحقيقة، كانت الجزائر تحبس أنفاسها، و تتابع مجريات الأزمة واضعة في الحسبان إمكانية نجاح هذا الانفصال . فهو السيناريو الوحيد الذي رغم تضاؤل حظوظه ، يخدم مصالحها أو بالأحرى لا يحرجها، لأنه يمنحها دولة وليدة لم تكن لتتوقعها للدعاية لرببيها “البوليساريو” مع ما يعنيه ذلك من إسبانيا مهينة الجناح يمكن أيضا للجزائر أن تنتظر منها تأييدا معلنا لمشروع انفصالي بجنوب المغرب  قد نفذ صبرها كله في انتظار تحققه.
ولهذا وضع سيناريو هذا الاستقلال المجهض القادة  الجزائريين أمام امتحان قاس جدا بأن جعل كل الشعارات التي أطرت أطروحات الحرب والصراع   التي جمعتها مع المملكة المغربية على  المحك وقيد الاختبار.  فمن المؤكد  أن الجزائر الرسمية لم تتوقع أبدا هذا الفخ الدبلوماسي الذي أوقعتها فيه الأحداث الإسبانية.فهي من جهة لا تريد أن تستعدي الجار الإسباني من خلال تأييد انفصالييه ولو بالقول، وخصوصا بعد أن تبدت نذر هزيمتهم وانكسارهم .ومن جهة أخرى لا تستطيع إظهار هذا الود لإسبانيا في هذا الظرف العصيب دون أن تتناقض مع ما  في  تدعيه من مناصرة طالما جاهرت به لحق الشعوب “الذي لا يقبل التنازل” في تقرير مصيرها.ثم وهي تتضامن مع إسبانيا ،كيف يكون لها أن  تنتظر رد الجميل من طرف هذا الجار مستقبلا في قضية انفصالية شبيهة تأخذ بلبها،و إسبانيا نفسها  قد جربت مساوئها ومخاطرها على أرض الواقع.
لذلك فالجزائر التي لا تحتكم لمبادئ ثابتة في دبلوماسيتها، تعد من أكبر الخاسرين من اندلاع هذا الفتنة الكتالونية  الطارئة. إذ ستنتظر الخارجية الجزائرية حتى 30 أكتوبر 2017 لتؤكد على لسان الناطق باسمها ،عبد العزيز بنعلي الشريف، تمسكها بوحدة اسبانيا وسلامة وحدتها الترابية.و الذي ذكر  بعلاقات الصداقة والتعاون وحسن الجوار التي تربط بين الجزائر و إسبانيا. هذه الأخيرة التي تستطيع حسب البيان  الذي تلاه تسوية أزمتها الحالية بالاحتكام للدستور والمؤسسات الديمقراطية الإسبانية. وبالطبع لم ينس  هذا الناطق الرسمي بالمناسبة دعم سيادة العراق على كافة أراضيه  في إشارة إلى رفض نتائج استفتاء برزاني  بكردستان تأييدا في ذلك بالخصوص بالموقف الإيراني.

من الواضح أن مثل هذا الموقف لا يتلاءم والصورة التي جاهدت”الجزائر لتكونها عن نفسها  لدى الرأي العام الدولي .إذ لا يمكن هضمه من قبل الفاعلين الدوليين دون أن تتهم الجزائر الرسمية بالميل  إلى التمييز في سياستها الخارجية ،هي التي ما فتئت تدعم منذ عقود  عصابة “البوليساريو ” سعيا لتفكيك المغرب تحت يافطة تقرير المصير .هذا الموقف رغم رصانته ،فإنه يبين للعالم مع ذلك  أن الجزائر غير جادة فيما تدعيه من مناصرة الشعوب في تقرير  مصيرها، بل يفضحها، و هي تنتقي من هذه الشعوب من في عقيدتها يجب أن يقرر مصيره ومن لا يتوجب له ذلك،وذلك  بحسب الدولة الأم التي ينتمي لها هذا الشعب وحسابات الحكام الجزائريين  التي تعتمد الإضرار بالمصالح الحيوية المغرب وليس على إسعاد الشعب الجزائري الصبور.
لكن هذا الموقف سيجعل الشعب الجزائري رغم كل شيء يكتشف مرة أخرى، و بالملموس، زيف ونفاق حكام المرادية الذين يرهنون حاضر البلاد ومستقبلها بمعركة لا فخر ولا مجد  مع بلد شقيق كالمغرب تجمعهم به ،أكثر من إسبانيا، عناصر الأخوة من لغة  ودم ودين وتقاليد وتاريخ ومستقبل مشتركين.سيستوثق الشعب الجزائري بمناسبة الأزمة الكتالونية من مقامرة حكام المرادية بأحلام الشعب الجزائري وتعطيلهم لقضاياه التنموية جريا وراء وَهْم وسراب اسمه الجمهورية الصحرواية، جمهورية مستحيلة التحقق أكثر من كتالونيا.إذ الظاهر أنهم فقط يقومون بصرف الأنظار عن المشاكل الحقيقية للجزائر، ويصدرون أزمة حكمهم تجاه عدو مفترض اسمه المغرب ويضعون ثروات الجزائر من النفط والغاز في رعاية مشروع فاشل في مهده لإنشاء دويلة مصطنعة.وتزداد ورطة حكام الجزائر تجاه شعبهم بمفارقة حصول انهيار للحلم الكتالوني رغم نجاح استفتاء الانفصال في صناديق التصويت، وهو الانهيار الذي حصل بسبب النزعة الوحدوية للإسبان ،و بسبب  قرف الاتحاد الأوربي والمجتمع الدولي من مثل هذه الكيانات المصطنعة التي لا داعي لها.

هذه النهاية الغير المجدية لهذا الاستفتاء  تظهر تهافت ولا جدوى المشروع الجزائري  لإنشاء كيان مصطنع على حساب سلامة الوحدة الترابية المغرب  بمجرد استفتاء. وهاهم الأكراد والكتالونيون يفشلون في إيجاد موقع تحت الشمس لدويلاتهم ولهم استفتاء ناجح في جيوبهم. فما بالك بالمغرب الذي يدمج كل مواطنيه ،خصوصا  مواطني الأقاليم الصحراوية ،في المسلسل الديمقراطي والتنموي، وقدم كل التضحيات ، كيف له  أن يستغني أو يتخلى يوما ما  عن جزء من أراضيه بمناسبة استفتاء ؟؟؟. مما لا ريب فيه أن حكام الجزائر سينتبهون  جيدا  من خلال هذا الدرس إلى أن المغرب والمغاربة ليسوا أقل وحدوية من اسبانيا والإسبان. وأن الوقائع السياسية من استفتاء وتقرير مصير وغيره لا تنتج واقعا انفصاليا على الأرض  وخصوصا حين تكون قضية الوحدة الترابية قضية نظام وأمة .ولست أظن أن صناع السياسة الخارجية الجزائرية ليسوا  على إطلاع الآن بأن مياه كثيرة جرت تحت الجسر، وأن المجتمع الدولي صار يتجنب المزيد من بلقنة الدول والقارات، لأن ذلك يضع متاريس إضافية أمام تنقل البشر والبضائع عبر العالم، ويخلق مزيدا من بؤر التوتر والنزاع في العالم، وأنه يميل الآن إلى الحلول السياسية المتوافق بشأنها أكثر من ميله لتقرير المصير، و قد ظهر هذا  واضحا في  ثلاث قارات :كردستان العراق و كتالونيا إسبانيا والكاميرون الناطقة بالانجليزية .وقد كشفت بعض المنابر الجزائرية وتعليقات الجزائريين في مواقع التواصل الاجتماعي عن موجة كبيرة من التندر والتهكم والسخرية تجتاح تعليقات الجزائريين من حكامهم على منصات التواصل الاجتماعي  ،بعد أن تنكروا للطرح الانفصالي، وأداروا ظهورهم لكتالونيا التي  كانت تضع دائما مؤسساتها رهن إشارة الجمهورية الصحراوية المزعومة، طالبين منها أن تسترجل و”تستأسد” كعادتها في مواجهة المغرب، وتدعم استقلال كتالونيا أو كردستان،  مبرزين أن حبل الكذب والنفاق قصير، ومذكرين بالموقف غير المشرف بهذه المناسبة للجزائر الرسمية من قضية كوسوفو المسلمة مع دولة الصرب، وتجاه الشيشان مع دولة روسيا . ولا تسلم “جبهة البوليساريو” أيضا من سهام السخرية، وهي التي لم تجرؤ على التضامن والوفاء لكتالونيا حليفتها ومثيلتها في طلب الانفصال، طمعا في استمرار الحدب والعطف الإسباني على مخيمات تندوف، وتجنبا لموقف مناقض لموقف الاتحاد الأوربي من قضية كتالونيا.وهنا لابد أن تنتبه كيف ستجد الجزائر نفسها ، افريقياً، في وضع غير مريح، وهي تساير رغبة الاتحاد الأوربي في التملص من الحركات الانفصالية أوربيا، و تزعج أفريقيا واتحادها بهذا اللحن النشاز الذي تعزفه ليل نهار  حول حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.

وأخيرا، ودون أن نشير للنزعة الانفصالية في منطقة القبايل الجزائرية التي كان يمكن أن يغذيها موقف جزائري رسمي مساند لكتالونيا، فإننا نشير إلى أنه إذا كان الشعب المغربي والدولة المغربية يصدران عن قناعة في تأييدهما لوحدة إسبانيا،وكان الشعب الجزائري كذلك يصدر عن نفس هذه القناعة في تأييده لوحدة إسبانيا ووحدة المغرب  لأنه مل من استغلال أطروحة تقرير المصير للشعب الصحراوي لتعطيل مسيرته التنموية وتأخير بناء المغرب الكبير،فإن الجزائر الرسمية تساند إسبانيا مرغمة بحسابات الربح والخسارة التي تجعلها تضبط سياستها الخارجية وترهن مستقبل الجزائر على معاكسة المغرب. حسابات الربح والخسارة هاته التي بالبداهة ليست نفسها بالنسبة للشعب الجزائري الذي يرى ربحه في تعقل حكامه، وابتعادهم عن إيذاء المغرب،و في فتح الحدود بين شعبين طال فراقهما ،وفي الكف عن  السعي نحو اصطناع مزيد من الحدود الوهمية .أما “البوليساريو”  فلا هو ساند كتالونيا، ولا هو يستطيع إعلان مساندته جهرا لإسبانيا دون أن تتكشف حقيقة أنه مجرد ربيب للجزائر الرسمية. هذه الأخيرة   التي لن تكون بالفعل وفية لأرواح مليون من شهداء حرب التحرير من دون أن تحب لأخيها المغرب ما تحبه لنفسها أو على الأقل ما تعلن أنها تحبه لإسبانيا .وفي انتظار أن تكف الجزائر عن استعمال سلاح تقرير المصير ضد المغرب فقط، يكفي أن  الأزمة الكتالونية قد قلبت السحر على الساحر حين ألزمت الجزائر الدولة، بالانقلاب على شعاراتها، والكشف عن حجم  أباطيلها وضلالاتها بخصوص الوحدة الترابية للمملكة المغربية. ويكفينا نحن أنها أبانت أن الاستفتاءات لا تفل عزم الشعوب وتصميمها على حماية وحدتها. وأن التصويت لا يلغي أبدا الحقوق التاريخية الأصيلة

 

(+) دكتور في العلوم السياسية

       

      

 

عن SCOOPRESS

تحقق أيضا

تمارة :تقديم الفرقة المتنقلة لشرطة النجدة

  سكوبريس                   تقديم طاقم شرطة النجدة في حفل بالمنطقة الأمنية لتمارة     …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Using cookies
هذا الموقع يستعمل الكوكيز من أجل استعمال أفضل. إذا استمرّيت بالتصفح فإنك توافق على قبول ملفات تعريف الارتباط المشار إليها، وقبول سياسة الكوكيز.